صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

21

شرح أصول الكافي

انسانا يكتب أو يخيط كان كونه حيا عالما قادرا مريدا عندنا من اظهر الأشياء ، وهذه الصّفات اجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ، إذ لا نعرف بعضها كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه ونشك في بعضها كمقدار طوله وعرضه ولون بشرته وغير ذلك . وامّا حياته وعلمه وقدرته وارادته فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق الحس الظاهر بها ؛ لأنها غير محسوسة بشيء من الحواس الظاهرة وليس عليها مع هذا الوضوح والجلاء إلّا دليل واحد وهو الكتابة أو الخياطة . واما وجود اللّه تبارك وتعالى وقدرته وعلمه وارادته وحياته فيشهد له جميع ما في الكون وكل ما نشاهده أو ندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وارض وسماء وكوكب وبحر وبر ونار وهواء ، بل أدل شاهد عليه أنفسنا واوصافنا وتقلب أحوالنا المذكورة في الحديث ، واظهر الأشياء في عملنا أنفسنا ثم أحوالنا ومحسوساتنا بإحدى الحواس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة ، وكل واحد من هذه المدركات له دليل واحد وشاهد واحد ، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبّرها ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته . فان كانت الكاتب ظاهرة عندنا وليس لها شاهد الّا حركة يده ، فكيف لا يظهر عندنا ؟ ما لا يتصوّر شيء داخل نفوسنا وخارجها الّا وهو شاهد عليه ، وما من ذرة الّا وتنادي بلسان حالها انه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وانها تحتاج إلى موجد ومحرّك . فإذا علمت هذا فنقول : لما لم يبق في الوجود مدرك ولا محسوس ولا معقول ولا حاضر ولا غائب الا وهو شاهد على وجوده معرف لعظم ظهوره ، فانبهرت العقول ودهشت عن ادراكه . فان ما يعجز عن فهمه عقولنا له علتان : إحداهما خفائه في نفسه كالهيولى والعدم والزمان والحركة والعدد والنسبة وغيرها ، والثانية غاية جلائه ووضوحه وقصور القوة الادراكية ، كمثال نور الشمس وبصر الخفاش ، فان بصره ضعيف يبهره نور الشمس في النهار إذا أشرقت ، ولهذا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره ابصر بالليل ، فكذلك عقول البشر ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في غاية الاشراق ونهاية الشمول والاستغراق حتى لم يشذ عن ظهوره ذرّة من السماوات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بشدّة